الشباب والسياسة : نحو مقاربة تشاركية لظاهرة العزوف
عبد المالك البيار ـ مدونة الوجه الآخر
إن الحديث عن الشباب و السياسة والعلاقة بينهما في العالم العربي حديث دو شجون، إذ يتبادر إلى الدهن مباشرة ظاهرة عزوف هذه الفئة عن ذاك المجال وتجلياته. وإذا كانت الظاهرة تبدو عامة وطننا العربي ، فإن أسبابها ، مظاهرها و عواقبها تختلف من بلد إلى آخر، تبعا لدرجة انفتاحه واختلاف الأنظمة السياسية وطبيعة الأحزاب والأعراف والتقاليد المرعية في كل بلد.
في المغرب تشكل هذه الظاهرة تحديا حقيقيا للنظام المغربي والأحزاب وباقي الفاعلين السياسيين ، تتضخم لتعبر عن أزمة العلاقة بين الشباب والسياسة . لكن هل يكفي توصيف هذا الحال فقط ، وقد اشتغل على ذلك الكثير ؟و ما هي أسباب هذه الأزمة ؟ وما مظاهرها ؟ و ماهي عواقبها ؟ وهل تقع مسؤوليتها على طرف واحد أم أطراف متعددة ؟ تم هل يتعلق الأمر بعزوف اضطراري أم باستقالة شبابية عن السياسة نحو أنشطة أقل مسؤولية وأكتر ترفيها ...؟ تم ما السبيل إلى التقليل من حدتها إن لم يكن القضاء عليها ؟ وما المقاربة الأمثل للتصدي لها؟
يتميز الحديث عن المشاركة السياسية للشباب بالمناسباتية ، يطرح عند كل استحقاق انتخابي ، مما ينفي عنه طابع الجدية والعلمية في الطرح والتناول ، ويكرس نظرة احتقارية لهذه الفئة تتجسد في محاولات استقطابها ككتلة ناخبة فقط دون الاهتمام برأيها في غالب الأحيان . وعيها بهذا التعاطي الانتهازي معها ومع مطالبها ، يدفعها إلى رد فعل قوي وصامت اتجاه هذه المبادرات المناسباتية وهذه النظرة التسطيحية وضد أصحابهما. مما يترتب عنه المزيد من فقدان الثقة في الطبقة السياسية والأحزاب والمؤسسات الممثلة للدولة...
تتميز السياسة الرسمية اتجاه الشباب بالتناقض الشديد، مابين خطاب شفهي يدعوهم إلى تحمل مسؤولياتهم والانخراط في معترك السياسة ، وممارسة عملية تذيقهم أقسى أنواع الإهانة والتنكيل في شوارع الرباط وغيرها ... فمن يا ترى نصدق : ما نسمعه من قصف إعلامي رسمي أو ما نراه رأي العين ولا يقبل التأويل؟. ولأن الأسباب متشابكة ومتنوعة فإن الظاهرة مركبة وأكبر من أن تختزل في سبب أو سببين من طبيعة واحدة أو طبيعتين،إلى أن أهمها يتوزع ما بين أسباب : -اقتصادية اجتماعية، سياسية، وتربوية تعليمية....
ـ الأسباب الاقتصادية والاجتماعية وأبرزها :
الأزمة الاقتصادية وتفشي ظاهرة البطالة بشكل مهول بين الشباب وتكريس الفوارق الاجتماعية بين فئات المجتمع.
ـ ضعف الاهتمام بالشباب في البرامج الاقتصادية للدولة رغم نسبتهم الديموغرافية المهمة.
- محدودية المبادرات الاقتصادية التي تستهدف الشباب و طغيان المحسوبية والزبونية في تنزيلها والاستفادة منها.
ـ تكريس اقتصاد الريع واختلال الفرص الاقتصادية لصالح المحظوظين .
أما الأسباب السياسية فنجملها في :
ـ تبني الاختيارات الكبرى للبلاد من خارج المؤسسات الدستورية مما يفقدها المصداقية ويكرس عدم جدواها في نظر الشباب .
ـ الفراغ السياسي بالمغرب الذي يعيش حالة انتظارية قاتلة كإفراز لوضعية الثبات statu-co
ـ ضعف الاهتمام بالشباب في برامج الأحزاب وتبنيها خطاب غير جذاب والافتقار إلى برامج عملية متطورة لاستمالته ، وغياب الديمقراطية الداخلية وهيمنة المسنين في أجهزتها مما يكرس عقلية الوصاية .
ـ فقدان الثقة في الخطاب الرسمي والطبقة السياسية ونتائج الاستحقاقات الانتخابية ( بسبب التزوير ، الفساد ، غياب الحرية...)
ـ احتكار السلطة ورفض إمكانية تداولها وعجز الأحزاب يفقد دعاوى الإصلاح السياسي والدستوري الرسمية كل مصداقية (إن أريكم إلا ما أرى).
ـ ضعف الوعي السياسي لدى الشباب بأهمية المشاركة والجدوى منها،الأسباب التربوية التعليمية ونلخصها في:
ـ غياب مناهج تعليمية ، تكرس الحق في الاختلاف والحق في المشاركة السياسية ومزاياها على الفرد والوطن وتلقن التلميذ مبادئها النظرية والعملية في لجان أقسام وتمثيلية المدارس ...بغية تأهيله لمشاركة أكبر .
ـ مخزنة الجامعة وإفراغها من محتواها العلمي والنضالي عبر إصلاحات فوقية، والقمع الشديد للطلبة وتمديد الحظر على اتحادهم الوطني لطلبة المغرب ، أفقدهم الإطار العملي للتربية على المشاركة وعطل مبادراتهم للانخراط الواعي في المشاركة السياسية بعد الجامعة التي أصبحت مفرخة للعاطلين وليست مشتلا للأطر.
- سياسة التيئيس والقمع والسجون الظاهرة والباطنة وما تحتفظ به الذاكرة المغربية من غرائب سنوات الرصاص زرع الخوف في الأسر المغربية التي باتت تربي أبناءها على الابتعاد عن السياسة ولعن السياسيين ومشتقات فعل "ساس".
إذا كانت هذه بعض أهم الأسباب المتنوعة لظاهرة العزوف ، فإن مظاهرها متعددة نلخص أبرزها في :
ـ ضعف التسجيل في اللوائح الانتخابية .
ـ ضعف المشاركة في العمليات الانتخابية.
ـ انخفاض نسبة الانخراط في ا لأحزاب ونسبة الترشح داخلها.
ـ تضاؤل الثقة في العملية الانتخابية والأحزاب السياسية والمؤسسات المفرزة عن الانتخابات.
ـ سيادة اللامبالاة وطغيان التمرد وغياب تحمل المسؤولية داخل أوساط الشباب.
إن عواقب هذا العزوف تبدو جلية لا تخطئها العين ، فإضافة إلى الاستقالة شبه الجماعية للشباب عن المشاركة السياسية أدى تضاؤل الثقة في المؤسسات المنتخبة إلى فقدان الثقة في قراراتها والسلبية في التعامل مع المبادرات التنموية الرسمية، وسيادة نفسية الإحباط واللامبالاة ، وانخفاض مؤشر حب الوطن ( ظاهرة الحريك خير معبر عن ذلك ) والانغماس في اختيارات غير صائبة ( التعاطي للمخدرات ، تكريس سلوكات غريبة ...) و الاستغلال من طرف شبكات إجرامية، والهشاشة النفسية والعملية في مواجهة مسؤوليات الحياة ....مما يهدد بحق هوية الشباب المغربي.
أمام هذا الوضع فإنه يصعب أن ننسب الظاهرة كلها إلى عزوف اضطراري للشباب ،نتيجة سلوكات مخزنية تاريخية لازالت مستمرة وضعف الأحزاب السياسية وغياب مبادرات المجتمع المدني وقلة المؤسسات الحاضنة لهذه الفئة. أونعتبرها استقالة شبابية نحو مجالات أقل مسؤولية تتحملها الفئة المعنية وحدها . لكنها بالتأكيد نتيجة هذا وذاك.
فالديمقراطية المغربية "المهندسة" لاتسمح بإشراك واسع وحقيقي للشباب، والمقاربة الأمنية طاغية في كل سياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(ضرب المحتجين وتضريب المحتاجين ) والردة الحقوقية تطفو عند كل اختبار بسيط للدولة.... وأما الأحزاب السياسية فعلامات الشيخوخة بادية على "ساكنتها" وأصبحت "ماركات " مسجلة لبعض العائلات ، ومقاولات تجارية لأخرى.
كما أن الزعامات السياسية تتشبث بمقاعدها إلى أن يقتلعها الموت منه (مع استثناءات نادرة طبعا). وتعاني هيئات المجتمع المدني، إلا القليل منها، من التدجين والاختراق المخزني، ويفتقد البلد إلى بنيات تحتية ومؤسسات محترمة يعبر من خلالها الشباب عن طاقاته وإبداعاته . بالمقابل أفرزت الثورة التقنية خاصة و العولمة عامة ظواهر سلبية أثرت على هذه الفئة تفكيرا وسلوكا فأصبحت تنحو نحو التمرد واللامبالاة و اتباع الغالب في الأشكال، وتجاوز القيم وتحقير الهوية الدينية والوطنية...
إن استفحال الظاهرة مسؤولية الجميع ، أكيد أن نسب المسؤولية تختلف من طرف لأخر لكن لا معنى لتحميلها لطرف واحد.
تفرض المقاربة التشاركية نفسها على المتدخلين في معالجة الظاهرة. إذ لا يستقيم العلاج دون أن يرفع كل طرف تحدي القضاء على الظاهرة من جانبه، ضمن إستراتيجية وطنية واضحة المعالم تحدد بدقة الأهداف والوسائل والإمكانات المطلوبة للتنفيذ، وتبرز بعمق مجالات التدخل والجهات المسؤولة عن التنفيذ والمتابعة وآليات التقييم ، مسنودة بحملة إعلامية ضخمة في الإعلام الرسمي، الحزبي و"المستقل"، المرئي، المسموع والرقمي.
تتغيى إعادة الثقة في مفهوم السياسة و المؤسسات الوطنية... ورفع الروح الوطنية وبعت الأمل في نفوس الشباب وتوعيته بالتحديات الكبرى المطروحة على البلاد، لإطلاق طاقاته الفكرية والنفسية والعملية والإبداعية للتصدي لها. وعليه فالدولة مطالبة بالجدية في التعامل مع الشباب في البرامج اقتصادية والاجتماعية وإعطاء مطالبهم الأولوية ، وتسطير برنامج إصلاح دستوري وسياسي حقيقي والقطع مع سنوات الماضي والردات الحقوقية وتضييق الحصار على الفساد المالي والإداري، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الوزارات المعنية في اقتراح الحلول ، وتشجيع القطاع الخاص بحوافز على تشغيل الشباب ... والأحزاب بتبني خطاب فعال ومرن وجذاب اتجاه هذه الفئة والتجاوب مع مبادراتها وتمكينها من المسؤولية والتركيز على الكفاءة والتفاني في إسناد المسؤوليات ... والمجتمع المدني بالتوجيه الصحيح للشباب والتأهيل العملي عبر برامج تكوينية نظرية وعملية وذات جودة عالية ....
تستحق ظاهرة العزوف الكثير من الاهتمام لمعالجتها ،وأول العلاج يبدأ بقيام كل متدخل بما يفرض عليه موقعه ومسؤولياته.
والله أعلم